ابن تيمية
78
منهاج السنة النبوية
تَجِدُ الرَّجُلَ الَّذِي يَقْتُلُ كَثِيرًا وَيُقَاتِلُ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُؤَمِّنُهُ ، إِذَا خَافَ أَصَابَهُ الْجُبْنُ ، وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ . وَتَجِدُ الرَّجُلَ الثَّابِتَ الْقَلْبِ ، الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِيَدَيْهِ كَثِيرًا ، ثَابِتًا فِي الْمَخَاوِفِ ، مِقْدَامًا عَلَى الْمَكَارِهِ ( 1 ) . وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي أُمَرَاءِ الْحُرُوبِ وَقُوَّادِهِ وَمُقَدَّمِيهِ أَكْثَرَ مِنَ الْأُولَى ; فَإِنَّ الْمُقَدَّمَ إِذَا كَانَ شُجَاعَ الْقَلْبِ ثَابِتًا ، أَقْدَمَ وَثَبَتَ وَلَمْ يَنْهَزِمْ ، فَقَاتَلَ مَعَهُ أَعْوَانُهُ ، وَإِذَا كَانَ جَبَانًا ضَعِيفَ الْقَلْبِ ذَلَّ وَلَمْ يُقْدِمْ وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَلَوْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ . وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الشَّجَاعَةِ ، الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ فِي أَئِمَّةِ الْحَرْبِ ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ إِلَّا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، قَتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ أَحَدًا لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا . وَكَانَ أَشْجَعَ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ، حَتَّى إِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَغْلَةٍ ، وَالْبَغْلَةُ لَا تَكِرُّ وَلَا تَفِرُّ ، وَهُوَ يُقْدِمُ عَلَيْهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْعَدُوِّ ، وَهُوَ يَقُولُ : « أَنَا النَّبِيُّ لَا ( 2 ) كَذِبْ . . . أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ » فَيُسَمِّي نَفْسَهُ ، وَأَصْحَابُهُ قَدِ انْكَفُّوا عَنْهُ ، وَعَدُوُّهُ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُقْدِمٌ عَلَى عَدُوِّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ بِعِنَانِهَا ( 3 ) . وَكَانَ عَلِيٌّ - وَغَيْرُهُ - يَتَّقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ
--> ( 1 ) م : مُقْدِمًا فِي الْمَكَارِهِ . ( 2 ) م : بِلَا . ( 3 ) سَبَقَ حَدِيثُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فِيمَا مَضَى 5 / 63 ، 64 .